هديل سالم
وكأنها في سباق مع الزمن، تستيقظ غزالة في الصباح الباكر لتباشر عملها في التنظيف وغسل الأواني والثياب، وتعبئة بعض العبوات المصفوفة في خيمتها بمياه الشرب.
“الكلام عن المياه يبكيني” بهذه الجملة استهلت حديثها. لم تخف غزالة الحال التي وصل إليها قاطنو المخيم بسبب افتقارهم المياه.
تقول: “لولا قدرتنا على ضبط النفس، لكثرت المشاجرات بين جيراننا الذين نشاركهم نقطة المياه”. فاستهلاك إحدى العائلات كمية أكبر من المياه والتي غالباً ما تنفد قبل الساعة التاسعة صباحاً، يقودهم في كثير من الأحيان إلى مشاجرات كلامية، إذ يقومون بالاحتفاظ بالمياه ضمن عبوات وأواني لاستخدامها لاحقاً.
نزحت غزالة محمد الزايد ذات الثمانية والثلاثين عاماً- وهي أم لولدين وخمسة بنات- إلى مخيم سري كانيه القريب من الحسكة والذي يعرف بـ”مخيم الطلائع”، بعد احتلال تركيا والفصائل السورية الموالية لها مدينة سري كانيه/ رأس العين في تشرين الأول/ أكتوبر 2019.

وكما معظم نساء المخيم تبدأ غزالة أعمال التنظيف باكراً كل يوم، وتملأ العبوات بالماء قبل أن تستهلك النساء الأخريات مياه الخزان الأحمر اللون، المنصوب على سقف حمام مشترك مجاور. يسع الخزان ألف لتر، وتمتد منه خمسة أنابيب خضراء توزع الماء الشحيح على خمسة خيم.
تعد شمال شرق سوريا التي تتمتع بحكم ذاتي تديره الإدارة الذاتية، من المناطق الأكثر جفافاً وحراً في سوريا، توجد ستة مخيمات لا تدعمها المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشكل رسمي، اثنان في الحسكة واثنان في الرقة، وآخران في منبج. وتعمل اللجنة الدولية للصليب الأحمر في واحد وعشرين مركزاً من أصل واحد وخمسين مركزاً للمهجرين داخلياً في الحسكة.
عدم اعتراف المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بمخيمي واشو كاني وسري كانيه، وعدم اسهامها الجدي في تقديم الدعم للمهجرين فيهما، هو ما يبقيهما على هامش المساعدات الإنسانية، ويفاقم من هشاشة أحوالهما بمواجهة أزمة المياه، ويشكل تحدياً حقيقياً أمام المنظمات المحلية العاملة في المنطقة. الموقع الجغرافي لمخيمي واشو كاني وسري كانيه في محافظة الحسكة يجعلهما من أكثر المخيمات تضرراً وتأثراً بأزمة المياه.
الفقر وتقاعس المنظمات الدولية يفاقم معاناة المهجرين
“في الصيف الحار، عدم كفاية مخصصاتنا من الماء يدفعنا لأن نشتريه، إذ تبلغ تكلفة خزان سعة ألف لتر 20 ألفاً (دولار ونصف الدولار تقريباً)، أحياناً لا يكون أمامنا خيار ويكون الأمر بالغ الصعوبة”، يقول الرجل الأربعيني محمد صالح، موظف في أحدى مؤسسات الإدارة الذاتية.
غالبية المهجرين لا يتوفر لهم عمل منتظم، فهناك من يعمل كمياوم لا يكسب إلا القليل من المال، ومن لديه عمل بالكاد يستطيع أن يتدبر أموره.
ويبلغ الحد الأدنى لرواتب عاملي الإدارة الذاتية مليون ليرة أي ما يعادل ثمانين دولاراً وفق سعر صرف الليرة السورية حالياً. الأمر الذي يساهم لتتحول أزمة المياه إلى كارثة ممتدة وقاهرة لهم.
صالح أب لثمانية أطفال ولد وترعرع في قرية السودة في ريف مدينة سري كانيه، نزح إلى مخيم سري كانيه رفقة زوجته كحال عشرات الآلاف من أبناء مدينته المهجرين قسراً إلى إحدى مخيمات النزوح أو مراكز الإيواء ضمن مدينة الحسكة.

مخيم سري كانيه أسسته الإدارة الذاتية في الأول من آب/ أغسطس 2020، يضم حالياً 15695 نازحاً، يعانون من عدم كفاية المياه.
تقوم منظمة المجلس النرويجي للاجئين (NRC) بنقل المياه عبر صهاريج مأجورة من آبار الحمة وتل براك وإفراغها في الخزانات المشتركة بين قطاعات المخيم. كما يجري فحصها دورياً من قبل مراقبين للتأكد من صلاحيتها وإضافة مادة الكلور المعمقة للمياه، بحسب خليل كوتيه مسؤول العلاقات العامة في المخيم.
والذي أشار إلى تقاعس المنظمات الدولية في طرح مشاريع محطات تحلية للمياه، كحل بديل عن مياه الصهاريج.
قبل عام 2011، كانت المنطقة الشمالية الشرقية من سوريا (شمال شرق سوريا) تعاني من تهميش على مختلف القطاعات، وتسمى بـ”المدن النامية”.
بعد الحرب، ودخول المنطقة في صراع عسكري تفاقمت الأزمات الموجودة أصلاً، وعاودت الأمراض الظهور مثل الكوليرا والأمراض الجلدية كالجرب واللشمانيا، ما شكل تحدياً كبيراً أمام المهجرين في مواجهة المخاطر الصحية في ظل انتشار الأوبئة ونقص المياه.
حسين البالغ الثانية والأربعين عاماً، أب لخمسة أطفال -يعمل سائق سيارة نقل- يتقاضى مليون ونصف المليون وسطياُ، أي ما يعادل مائة وثماني دولارات شهرياً.
ففي بداية نزوحه من حي زرداشت في مدينة سري كانيه، أستأجر منزلا ضمن أحياء الحسكة، لكن ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار الإيجارات التي بلغت وسطياً خمسين دولاراً في الشهر، وحاجته لشراء المياه، اضطرته للانتقال إلى مخيم سري كانيه كحال غالبية المهجرين، غاية تخفيف الأعباء المادية التي زادت بعد أزمة المياه.

هناك 15.5 مليون سوري يفتقرون إلى المياه النظيفة في جميع أنحاء البلاد، ويعتبر شمال شرق سوريا هو المنطقة الأكثر تضرراً من أزمة المياه هذه، حيث أن 27% من الأسر تنفق ما يصل إلى خمس دخلها على المياه من الصهاريج. بحسب تقرير سابق للأمم المتحدة.
مياه غير مأمونة.. وهشاشة في القطاع الطبي
وللتغلب على عدم كفاية المياه، يحاول بعض الأفراد نقل المياه غير المأمونة من مناهل قريبة من المخيم بسيارات خاصة، ضمن عبوات أو خزانات صغيرة. وهو ما عملت إدارة المخيم على ضبطه ومنعه كونه يساهم في تفاقم انتشار أمراض معدية قد لا يمكن السيطرة عليها مستقبلاً.
في هذا السياق، أشار ديلاور محمد علي مدير مكتب الصحة للإدارة الذاتية في مخيم سري كانيه إلى هشاشة القطاع الصحي ضمن المخيم ووصفه بـ “السيء”، نظراً لقلة المنظمات العاملة في هذا القطاع باستثناء الهلال الأحمر الكردي الذي يعمل على مدار 24 ساعة بإمكانيته الطبية المحدودة، ومنظمتين أخريين تعملان بدوام جزئي، أحداها تختص برعاية النساء الحوامل.
ونوه علي إلى عدم مشاركة بعض المنظمات العاملة ضمن المخيم أرقام وبيانات المرضى مع مكتب الصحة، مما أدى إلى غياب الإحصائيات الدقيقة عن عدد الحالات المرضية المرتبطة بتلوث المياه، مؤكداً، “ظهرت إصابات خاصة بين الأطفال مثل حالات الإسهال المتكررة، والجدري والجرب لكنه بقي ضمن حدود السيطرة، هناك من تلقى معالجة فورية ساعدت على سرعة شفائه”.
يقول السائق حسين “معاناتنا من المياه غير النظيفة بادية على أجسادنا، فزوجتي تعاني من إصابة الحصى بالكلى، وأولادي يعانون من آلام متكررة في البطن”.
ويضيف، “تتراكم ترسبات رملية كثيفة أسفل الخزان، نعمل كل 15 يوماً أو أكثر على إزالتها وتنظيفه”.
قالت المنظمة الدولية “هيومن رايتس ووتش” في 22 آب/ أغسطس 2023، إن عشرات الآلاف من المهجرين في المخيمات والملاجئ المكتظة في شمال شرق سوريا لا تتلقى مساعدات مستمرة أو كافية، مما يؤثر سلباً على حقوقهم الأساسية، فثمة حاجة ملحة لتأمين إيواء مناسب بسبب الظروف الجوية القاسية، وصرف صحي كاف، ووصول ملائم إلى الغذاء ومياه الشرب النظيفة والرعاية الصحية والتعليم.

أما في مخيم واشو كاني، الذي أسسته الإدارة الذاتية في أواخر تشرين الأول/ أكتوبر 2019، فيضم أكثر من 16800 شخص حسب إدارة المخيم، يتشاركون معاناة أزمة المياه وعدم كفايتها، والافتقار لوسائل النظافة، والتي يعتبر الماء من أولوياتها، فقد سجلت 236 إصابة بطفح جلدي معد منذ أيلول/سبتمبر الفائت، بحسب منظمة الهلال الأحمر الكردي.
بسبب استخدام المياه كسلاح… “الحسكة منكوبة”
في بداية شهر يوليو الماضي، أعلنت مديرية المياه في الإدارة الذاتية مدينة الحسكة “منطقة منكوبة“، فعدا عن اقتطاع تركيا لحصة سوريا من تدفق مياه نهر الفرات، ما تزال تغطي سياسيا وعسكريا على تحكم الفصائل الموالية لها بمياه آبار محطة علوك، التي تعد المصدر الرئيسي وشبه الوحيد لتزويد السكان في مدينة الحسكة وتل تمر وريفهما بمياه الشرب، إذ سجل إلى الآن ما يزيد عن 40 حالة قطع كلي للمياه منذ احتلالها مدينة سري كانيه، ما زاد من معاناة النزوح والتهجير.
ومع استمرار التصعيد العسكري في المنطقة بدأت تركيا في استهداف البنى التحتية ومصادر الطاقة بما فيها محطات المياه بين الخامس والعاشر من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
يقول آدم كوغل، نائب مديرة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في بيان لمنظمة هيومن رايتس ووتش، أن “الناس في مدينة الحسكة والمناطق المحيطة بها الذين يواجهون أصلا أزمة مياه حادة على مدى السنوات الأربع الماضية، يتحملون الآن وطأة القصف والدمار المتزايدين، مما يفاقم معاناتهم للحصول على إمدادات المياه الأساسية”.
تستمر معاناة قاطني الحسكة وضواحيها من السكان والمهجرين، ولم تفلح حملات المناصرة والأنشطة التي تنظمها مبادرات ووسائل إعلام محلية في هذا الصدد من الضغط على تركيا لتحييد مصادر المياه عن الصراعات العسكرية والسياسية إلى الآن.
ترتسم على وجه حسين -سائق سيارة النقل- علامات الحسرة والأسف على الحال الذي أصبح عليه، يقول: “مدينتي سري كانيه كانت ينابيعها تمد مناطق الجزيرة بالمياه العذبة، واليوم بنقودنا لا نستطيع توفير المياه، ذلك بات حلما لنا”.
تحرير وإشراف: مجلة شار
أنجز التقرير لصالح منظمة آشنا للتنمية